"نيويورك تايمز": انكماش اقتصادي يربك استراتيجية ترامب التصادمية

"نيويورك تايمز": انكماش اقتصادي يربك استراتيجية ترامب التصادمية
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أرشيف

كشف تقرير اقتصادي عن انكماش الاقتصاد الأمريكي في الربع الأول من العام، ما وجّه إنذارًا مبكرًا للرئيس دونالد ترامب، وأحدث صدمة سياسية مفاجئة في واشنطن، وجاء هذا التراجع على خلفية وعود انتخابية أطلقها ترامب بتحقيق نمو اقتصادي قوي والقضاء على التضخم، بعد 101 يوم فقط من توليه منصبه.

ووففًا لما نشرته صحيفة "نيويورك تايمز"، اليوم الخميس، شهدت الأسواق المالية خلال تلك الفترة تراجعًا حادًا، وهو الأسوأ في بداية ولاية رئاسية منذ خمسين عامًا، عندما حاول الرئيس الأسبق جيرالد فورد إنقاذ الاقتصاد من فضائح سياسية وأزمات تضخمية.

وزادت هذه التطورات من حالة القلق لدى الشركات والمستهلكين، خاصةً في ظل تصعيد ترامب لحرب تجارية تعطل سلاسل الإمداد، وتُنذر برفع الأسعار وندرة بعض المنتجات.

تشكيك في الوعود

أكد ترامب عزمه على التوصل إلى اتفاقيات تجارية تعيد التصنيع إلى الأراضي الأمريكية وتطلق عهدًا جديدًا من الازدهار، إلا أن الأرقام الجديدة أثارت تساؤلات جدية حول كفاءة سياساته الاقتصادية.

واعتبر مراقبون أن استمرار هذا التراجع قد يُعرض الرئيس لمصير شبيه بانهيار شعبية الرئيس السابق جو بايدن بعد انسحاب فوضوي من أفغانستان عام 2021، وهو حدث لم يتعافَ منه سياسيًا رغم إنجازاته لاحقًا في خلق الوظائف وتشريعات كبرى.

وفرض ترامب في الثاني من أبريل رسومًا جمركية واسعة على شركاء الولايات المتحدة التجاريين، معلنًا ما وصفه بـ"يوم التحرير"، متوقعًا أن تتوسل تلك الدول لعقد صفقات تجارية جديدة، غير أن استطلاعًا حديثًا أجرته "نيويورك تايمز" بالتعاون مع كلية سيينا أظهر أن 55% من الأمريكيين غير راضين عن أداء ترامب الاقتصادي، في حين بلغت نسبة الرضا 43%، وأعرب نصف المشاركين تقريبًا عن رفضهم لنهجه في التعامل مع التجارة.

مراجعة للسياسات التجارية

بدأ بعض مستشاري ترامب الاقتصاديين بإدراك أن توقيت فرض الرسوم وطريقة تنفيذها قد تكونا خاطئين، رغم تأييدهم للاستراتيجية العامة، ونتهيجة لذلك، أعلنت الإدارة عن استثناءات جديدة من الرسوم كل بضعة أيام، كان آخرها لصالح شركات صناعة السيارات.

أوضح ماثيو بي. غودمان، الخبير الاقتصادي في مجلس العلاقات الخارجية والذي خدم في إدارتي جورج بوش وباراك أوباما، أن ترامب أخطأ حين ظن أن فرض الرسوم سيُظهر قوة أمريكا الاقتصادية، وقال إن الرئيس اضطر إلى التراجع بعدما واجه تعقيدات غير متوقعة في ملفات التجارة.

اعترف ترامب بأن الأمريكيين قد يواجهون بعض "الألم المؤقت"، لكنه بدا غير مكترث في تصريحاته، قائلاً إن الأطفال "قد يحصلون على دميتين بدلًا من ثلاثين"، ومع ذلك، لا تزال آثار الرسوم الجمركية بعيدة عن الوضوح الكامل، إذ تحتاج الاستثمارات التي يُتوقع تدفقها إلى وقت طويل قبل أن تُحدث فرقًا.

فجوة بين الوعود والواقع

أشار ترامب إلى خطط بناء مصانع جديدة، مثل مصنع أشباه الموصلات الذي قد يستغرق بناؤه خمس سنوات، ولفت إلى التزام شركة آبل باستثمار 500 مليار دولار خلال أربع سنوات في الولايات المتحدة، بما في ذلك قدرات صناعية محلية، لكن رغم هذه الوعود، من المتوقع أن تظهر نتائج الرسوم الجمركية السلبية خلال أشهر قليلة، متسببةً في ارتفاع الأسعار ونقص المنتجات الصناعية والمستهلكة المستوردة.

تُشكل فجوة العرض المحلي أبرز معضلة تواجه الإدارة، فالكثير من المنتجات التي ستُصبح أغلى ثمنًا لا تُنتج في الولايات المتحدة، وقد لا يكون من المجدي صناعتها محليًا أصلًا.

أبدى ترامب قلقًا من تحميله مسؤولية ارتفاع الأسعار، خصوصًا بعد تقارير عن نية شركة تابعة لأمازون توضيح تكلفة الرسوم الجمركية للمستهلكين.

خطوة عدائية

ووفقًا للبيت الأبيض، اعتُبرت هذه الفكرة "خطوة عدائية ذات طابع سياسي"، ما دفع أمازون إلى نفي موافقتها على الخطة والتأكيد على أنها لم تُنفذ.

شكا قادة الأعمال من غموض المشهد الاقتصادي، وأكدوا أنهم غير قادرين على توقع أرباحهم في الربع الثاني بسبب تقلبات السوق وغياب رؤية واضحة.

صرّح ديفيد ماكنتوش، رئيس "نادي النمو" المناهض للضرائب والداعم لعودة ترامب، أن مفتاح تهدئة الأسواق يكمن في تمرير قانون لخفض الضرائب، لا سيما بالسماح للشركات بإلغاء تكلفة الاستثمار في البنية الإنتاجية فورًا بدلًا عن توزيعها عبر سنوات.

معارضة حلفاء تقليديين

أعلن وزير الخزانة سكوت بيسنت أن واشنطن تقترب من التوصل إلى اتفاقيات مع كل من الهند وكوريا الجنوبية واليابان، وأشار ترامب إلى أن رئيس وزراء كندا الجديد، مارك كارني، اتصل به شخصيًا لعقد صفقة.

لكن كارني أكد بعد فوزه في الانتخابات أن كندا تسعى للابتعاد عن الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة، مُعلنًا انتهاء عهد العولمة التجارية التي رعتها واشنطن، وأكد على أن النموذج التجاري السابق، رغم عيوبه، مكّن بلاده من تحقيق رخاء طويل الأمد.

وتزامن التحول الكندي مع موقف مشابه من الصين، حيث التزم الرئيس شي جين بينغ الصمت العلني، بينما رفعت بكين الرسوم المضادة لتصل إلى 145%، ما أدى إلى تجميد التجارة تقريبًا، وسط تقارير عن إعادة شحنات إلى دول المنشأ لتجنّب الرسوم.

يعوّل ترامب على أن الصين ستتراجع أولًا بسبب الأضرار الاقتصادية، في حين يراهن شي على أن ترامب لن يصمد أمام مزيد من الركود والتضخم وتدهور نسب تأييده، والنتيجة، حتى الآن، غير محسومة، لكن أحد الطرفين سيضطر في النهاية إلى التراجع.

 

 



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية